ابن النفيس
31
المختار من الأغذية
الإسهال . وهكذا ، بحيث يصف لكل مرض ما يلائمه » « 1 » . حتى إن العطّار الشرابي الذي كان ابن النفيس يجلس عنده ، ركدت بضاعته ، فقال له : « إذا أردت أن تصف مثل هذه الوصفات ، فاقعد على دكان اللّحّام ؛ وأما إذا قعدت عندي ، فلا تصف إلا السكر والشراب والأدوية » « 2 » . وعلى هذا النحو ، سار المنهج العلاجي عند ابن النفيس حتى اغتاظ الصيادلة ! وإن كنت أرى أن هذه الواقعة التي يحكيها العمري ، إذا كانت وقعت فعلا ، فإنها حدثت في بداية نزول ابن النفيس للقاهرة ، ذلك أنه بعد فترة سيصير ( رئيس الأطباء ومدير المستشفى الناصري ) مما يعني أن جلوسه عند العطار لا معنى له ، فهذا القعود كان وسيلة الأطباء المبتدئين لكسب القوت . وعلى افتراض أنه كان يجلس عند هذا العطّار بعد تولّيه رئاسة الأطباء ، لصداقة بينهما ، فلا أظنّ أن ( رئيس الأطباء ) يجوز أن توجّه له مثل هذه العبارات التي قالها العطّار الشرابي . وروى العمري ما يفيد أن هذا المنهج العلاجي جعل المعاصرين لابن النفيس يتهمونه بأنه « على وفور علمه بالطب وإتقانه لفروعه وأصوله ، قليل البصر بالعلاج » وهي تهمة تذكرني بما رواه أحد الأطباء المصريين المعاصرين ، حين كان بإحدى القرى المصرية ، فدخلت عليه عجوز هدّها الدهر تشكو أو جاعا في جسمها ، وبعد فحصها لم يجد فيها من الأمراض ، إلا الضعف وسوء التغذية ، فأعطاها جنيها ، وقال لها : « ابتاعي دجاجا وخضارا وتناوليه » . . ومضت العجوز تمصّ شفتيها ؛ حتى لقيها طبيبنا بعد فترة ، فسألها عما صنعت ، فقالت : أخذت الجنيه ودفعته لطبيب آخر ؛ كي يفحصني ويكتب لي دواء ! وقد ذكر العمري لتأكيد التهمة واقعة أخرى ، فقال « حكى لي شيخنا أبو الثناء الحلبي ، قال : شكوت إلى ابن النفيس عقالا في يدي ، فقال لي : وأنا واللّه بي عقال ، فقلت له : فبأي شيء أداويه ؟ فقال : واللّه ما أعرف بأي شيء أداويه . . ثم لم يزدني على هذا » . واتهام ابن النفيس بقلّة المعرفة بالدواء وفنون العلاج اتهام ظالم ، صحيح أنه كان يفضل التداوي بالأغذية ، لكن ذلك لا يعني جهله بضروب المعالجات ؛ فقد ذكر
--> ( 1 ) العمري : مسالك الأبصار في أخبار ملوك الأمصار ( مخطوط دار الكتب المصرية رقم 99 مجاميع / تاريخ ) 7 / 227 . ( 2 ) المرجع السابق ، نفس الصفحة .